الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية: "نوتات ليلية" تتحدى شحّ الدعم في دورته الـ39

نشر في  12 جوان 2026  (17:19)

 ​بين أعمدة متحف "دار إفريقيا" بالجم، حيث تتناغم عراقة التاريخ مع سحر المكان ، وحيث تفوح من الجدران حكايات القارة السمراء وتتلألأ الفسيفساء كنجوم تحفظ أسرار الأزمنة الغابرة، أقيمت صباح الأربعاء 11 جوان 2026 الندوة الصحفية لجمعية مهرجان الجم الدولي للموسيقى السمفونية، أعلنت خلالها الهيئة المديرة عن تفاصيل الدورة الـ39 للمهرجان، التي تنطلق يوم 11 جويلية وتتواصل إلى غاية 15 أوت 2026، ليتأهب هذا الفضاء المصنف إرثا عالميا منذ سنة 1979 لاستقبال عشرة عروض تحاكي تطلعات عشاق الفن السمفوني.

وعلى غير العادة لم تكتف هذه الندوة الصحفية بالكلام البروتوكولي، بل تماشت مع روح المكان، حيث استهلت بحوار موسيقي صاغته أنامل العازفين وسيم مقني ومهدي الطرابلسي لتهتز الأوتار في فضاء يربط الأرض بالسماء، وتختم بلوحة راقصة مستوحاة من "أيام الجم الرومانية" حملت اسم "أورفي وإيريديس" بكوريغرافيا من توقيع جهاد حيدر، لتندمج الأسطورة بالواقع ولأن الهيئة المديرية لمهرجان الجم الدولي دأبت في السنوات الأخيرة على أن يكون الافتتاح تونسيا، تحافظ خلال هذه الدورة على نفس التمشي، حيث ستكون سهرة الافتتاح بعرض الأوبرا-كوريغرافي "ديدون وإينيه" من إنتاج مسرح أوبرا تونس، وبلمسات إخراجية لـ"عمر راجح"، حيث تمتزج أجساد باليه وأصوات أوبرا تونس مع نوتات الأوركسترا التونسي بقيادة المايسترو "ستيفان فيجي" لإعادة إحياء واحدة من روائع عصر الباروك للبريطاني "هنري بيرسل".

لتتوالى السهرات في دفق فني مسترسل، يحملنا يوم 15 جويلية إلى ضفاف الأوركسترا السيمفوني بسوسة الذي يلتقي بالفنانة درصاف الحمداني في حوارية "طربيات كلاسيكية"، تليها في الثامن عشر من الشهر ذاته أوركسترا "كاميرا برشلونة" لتسكب فوق الركح الأثري "ألوان إسبانيا" الدافئة.

​ومع حلول يومي 24 و25 جويلية، يبسط مسرح الجم ذراعيه لاستقبال أوركسترا "أورفيون" الفرنسية في إطلالتين متتاليتين؛ تهدي أولاهما تحية لروائع الفنان مارسيل خليفة، بينما تنبض الثانية بسحر الشرق والغرب من خلال معزوفتي "بوليرو" لرافيل و"شهرزاد" لريمسكي كورساكوف.

ومع مطلع شهر أوت، وتحديدا في ليلته الأولى، يتجدد الموعد الاستثنائي والأكثر جماهيرية مع أوركسترا أوبرا فيينا النمساوية في حضورها الثامن والعشرين، تليها في السادس والثامن من الشهر نفسه أوركسترا "أويدا" الإيطالية التي تعبر بالجمهور من ضفة موسيقى الأفلام العالمية إلى كلاسيكيات الأغنية النابولية العتيقة، ليقترب الستار من خط النهاية ليلة 12 أوت مع نغمات أوركسترا سيمفونية قرطاج التونسية، قبل أن يختتم المشهد كاملا يوم 15 أوت بعودة حالمة لعازف الكمان النمساوي "يوري غيفيتش" بمرافقة الأوركسترا السيمفوني التونسي.

​رغم هذه الرحلة الحالمة بين النوتات، لم يخل فضاء متحف الجم من شجون الواقع، حيث تلاشت شاعريّة الموسيقى مؤقتا أمام صرخة الهيئة المديرة التي أطلقها رئيس الجمعية مبروك العيوني، معبرا عن قلقه من ضعف التمويل ومؤكدا توجه المهرجان نحو شريكه الطبيعي في القطاع الخاص، ليعاتب بالكلمات غياب الدعم العمومي، كاشفا أن وزارة السياحة والصناعات التقليدية لم تصرف منحتها المرصودة لسنتي 2024 و2025 حتى الآن، في مفارقة حزينة تبين كيف يصارع الجمال التاريخي من أجل البقاء في عتمة البيروقراطية المادية، وهو ما يضع أقدم مهرجان للموسيقى السيمفونية في المنطقة أمام تحديات حقيقية لضمان استمراريته وإشعاعه الدولي.

سناء الماجري